عبير والإنجليز ..قصة قصيرة بقلم بسمة محمود

عبير والإنجليز
………………….
دخل الإنجليز القاهرة سنة 1882م ، حكموا الوطن بالقهر والظلم وضربوا بيد من حديد ، انقسم الناس لطوائف مختلفة -وإن كان معظمهم ضد الاحتلال –

فطائفة يرون الجهاد بالنفس والمال واللسان فنحيا في عزة أو نستشهد في سبيل الله ،فكانت أم محمد وقد تربّت على مبادئ الحرية من صغرها تشد من عزم أبنائها وبناتها ، على الرغم من قسوة الاحتلال فبيتها متماسك أفكارهم واحدة هدفهم واحد فتراهم ينعمون براحة البال

وطائفة أخرى كأم عبير ، فلها شأن آخر تحب الحق وتدافع عنه ، ولكن في سرية وكتمان

ازداد الاحتلال في قسوته اعتقل المجاهدين ولا شك أنهم يعانون من التعذيب ، والحرمان من أبسط حقوقهم

خافت أم عبير على ابنتها الوحيدة بنت العشرين نظرت إليها بحنان وإشفاق واحتضنتها ،مسحت على رأسها في رقة وحنان قائلة لها 
 -ابنتي العزيزة تعرفين سوء أحوال البلاد ، وأنت ابنتي الوحيدة أتمنى لك طول العمر وألا يمسك سوء من الإنجليز فهم بلا مروءة فلا بأس عندهم أن يعتقلوا النساء إذا علموا أن همهن استقلال البلاد 
 – لا تخافي يا أماه ! فأنا ألتزم بتعليماتك ولم أخرج من الدار في مظاهرات ولم أرفع لافتة تدعو إلى الانتفاض.
لكن كانت هذه مقدمة للأم لتُمْلي على ابنتها فلذة قلبها محافظة على حياتها تعليمات جديدة فاستطردت حديثها قائلة لها في حنان 
– أتعرفين جارتنا أم محمد -المهندس ؟! 
 – طبعا يا أماه ، فبنتها وداد من نفس عمري ورفيقة دربي ودائما نتبادل الزيارات ، وأنت وأمها كذلك ( مستبشرة )
– حبيبتي ! ألم تدركي أن الوضع تغير الآن ( بلسان وراءه قلب محب خائف)
– كيف ؟! ( مستعجبة)
 – ألم تعلمي أن ابنها محمدا يخرج في مظاهرات مع الأحرار ويقول كلمة الحق ولا يخاف في الله لومة لائم ؟!
 – لله درّه يا أماه ! إنه بطل من الأبطال ! وأخته وداد دائما تقص لي عن كيفية مناهضة أسرتها للاحتلال الإنجليزي ، ولكننا لا نتكلم عن هذا في الطرقات أو على مسامع الناس حتى لا تقلقي ( مفتخرة بجيرانها)
– لكن هذا يا ابنتي لا يكفي !
– ماذا تقصدين يا أماه ؟! ( بقلب حزين وصوت نحيل وقد غطى وجهها سحابة من الحزن)
– أقصد أن أسماءهم أصبحت معروفة لدى الإنجليز ، فيجب عليك أن تقطعي علاقتك بوداد ! 
– يا أمي معظم المصريين الآن يصرخون في وجه الاحتلال ، إذن سنقاطع كل جيراننا الأخيار !  ووداد صديقتي الحبيبة، وصديقاتي الأخريات مثلها أيضا !
– إذن لا تصاحبي أحدا منهن وممنوع الكلام معهن على التليفونات 
– ممنوع أيضا الكلام على التليفون؟! 
– نعم ، لعله مراقب !
 – مراقب ! لسنا من السياسيين المجاهدين الكبار ، هذا خوف أكثر من اللازم ، وكل ما يصيبنا إلا ما كتب الله لنا !
– عليك بالأخذ بالأسباب يا حبيبتي فأنتِ ابنتِي الوحيدة !
 – ألهذا الحد ! تقطعينني عن أترابي، ألا تخشي عليّ من الوحدة ! كأني ميتة على سطح الأرض ولكن الفرق أني لم أدفن فأرتاح من رؤية الظالمين الطغاة ! ( بصوت حزين)
– أنت لا تعرفين مصلحتك لا مناقشة في هذا الأمر ( بحزم وشدة)
– دخلت عبير إلى غرفتها حزينة ، محدثة نفسها  ماذا أقول ؟! لا فائدة من الكلام ! إنه سيؤدي إلى انتهار أمي لي والتشديد عليَّ أكثر وأكثر 
فظلت حبيسة غرفتها بعد أن مُنعت من رفقتها ، ومرت أيام وشهور على هذا الحال وقد طال حبسها في هذه الدار إلى أن جاء هذا اليوم الذي دخلت أمها عليها غرفتها فوجدتها مستغرقة في النوم وعلى صدرها كتاب الحرية مكتوب على سطح غلافه بخطها قول أبي العلاء المعري 
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويا نفس جدي إن دهرك هازل

فنادتها الأم الرؤوم لإيقاظها وهزتها كثيرا لكنها لم تحرك ساكنا ، فإذ روحها قد صعدت إلى بارئها بعد أن لم تعد للحياة لذة الاستماع إلى الصديقات وتبادل الأفكار وحمل هَم الأمة 
 حزنت الأم على ابنتها حزنا شديدا ، وبكت بكاء مريرا ؛ فقد منعتها من أحبتها حرصا على حياتها ولكن القهر كان جديرا بقطع أنفاسها من هذه الحياة

ماتت عبير يوم الجمعة ، وكان الإنجليز يخافون من هذا اليوم لتجمع الثوّار بعد صلاة الجمعة فيشتد بطش الإنجليز بالأهالي ، فلا يخرج إلى المسجد إلا الأبطال ، أما الخائفون فيصلون في الدار ، لذلك لم يصل على عبير إلا أهالي الأُسَر التي قد منعتها أمها من التعامل مع بناتهم خوفا عليها! ، وكان محمد هو الإمام !

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *